أحمد بن علي القلقشندي

40

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ويباشر هذا المنصب المبارك ، بعزماته الماضية ، وهممه العالية ، برأي لا يساهم فيه ولا يشارك ، ليصبح هذا الثغر بمباشرته باسما حاليا ، وتعود بهجته له بجميل نظره ثانيا ، وينتصب لتدبير أحواله على عادته ، ويقرّر قواعده بعالي همّته ، ويجتهد في تحصيل أمواله وتحصين ذخائره ، واستخراج زكاته وتنمية متاجره ، ومعاملة التّجار الواردين إليه بالعدل ، الذي كانوا ألفوه منه ، والرّفق الذي نقلوا أخباره السارّة عنه ؛ فإنهم هدايا البحور ، ودوالبة الثّغور ، ومن ألسنتهم يطَّلع على ما تجنّه الصّدور ، وإذا بذر لهم حبّ الإحسان نشروا له أجنحة مراكبهم وحاموا عليه كالطَّيور ، وليعتمد معهم ما تضمّنته المراسيم الكريمة المستقرّة الحكم إلى آخر وقت ، ولا يسلك بهم حالة توجب لهم القلق والتظلَّم والمقت ، وليواصل بالحمول إلى بيت المال المعمور ، وليملأ الخزائن السلطانيّة من مستعملات الثغر وأمتعته وأصنافه بكل ما يستغنى به عن الواصل في البرور والبحور ، وليصرف همّته العالية إلى تدبير أحوال المتاجر بهذا الثغر بحيث ترتفع رؤوس أموالها وتنمي ، وتجود سحائب فوائدها وتهمي ، وليراع أحوال المستخدمين في مباشراتهم ، ويكشف عن باطن سيرهم في جهاتهم ، ليتحقّقوا أنّه مهيمن عليهم ، وناظر بعين الرأفة إليهم ، فتنكفّ يد الخائن منهم عن الخيانة ، وتتحلَّى أنامل الأمين بمحاسن الصّيانة ؛ وليتفق فيما يأتيه ويذره ، ويقدّمه من المهمّات ويؤخّره ، مع المجلس السامي ، الأمير ، الأجلّ ، الكبير ، المجاهد ، المقدّم ، الأوحد ، النصير شمس الدين ، متولَّي الثغر المحروس - أدام اللَّه نعمته - فإنه نعم المعين على تدبير المهمّات ، ونعمت الشمس المشرقة في ظلم المشكلات . وليطالع بالمتجدّدات في الثغر المحروس ، ليرد الجواب عليه عنها بما يشرح الصدور ويطيّب النفوس ، وليتناول من الجامكية ( 1 )

--> ( 1 ) الجامكية : تجمع على جوامك وجامكيات ؛ وهي الرواتب عامة . وأصل اللفظ فارسي : « جامه » بمعنى اللباس ، ومعناها اللغوي كما يرى دوزي هو مصروفات دولاب الملابس ، وقد جرى استعمالها الاصطلاحي بمعنى الجراية الشهرية ( انظر التعريف بمصطلحات الصبح : 82 وتأصيل ما ورد في تاريخ الجبرتي من الدخيل : ص 59 ) .